حين لم تكتمل الصورة… اتهام خطير أمام ميزان الدليل
من مذكرات المحامي علي كابل فقيري — أسرار القضايا التي عشت تفاصيلها
رواية قضائية عن اتهام حساس، وروايات اختلفت في تفاصيل جوهرية، وأوراق فنية كان لا بد من قراءتها بعناية. بين خطورة ما قيل وما أمكن إثباته، بقي سؤال واحد معلقاً حتى النهاية: هل اكتملت الأدلة التي تتيح للمحكمة أن تدين؟
الفصل الأول:على الشاشة… إنكار
أُحضر المتهم من محبسه إلى المحكمة عبر الاتصال المرئي. وحين سُئل عن الاتهام المنسوب إليه، أنكره.
كانت القضية تتعلق باتهام باعتداء على قاصر. وهو اتهام لا يمكن المرور عليه بخفة؛ وراءه إنسان يستحق الحماية، وفي مواجهته متهم لا يجوز أن تُسلب حريته إلا بدليل تثق به المحكمة.
في مثل هذه القضايا، لا يكفي أن تكون الرواية مؤلمة حتى تتحول إلى حقيقة قضائية ثابتة، كما لا يكفي الإنكار وحده لإسقاطها. لا بد من قراءة ما قيل، وما أثبتته الأوراق، وما بقي بينهما بلا جواب.
ومن هنا تبدأ هذه القضية: اتهام بالغ الخطورة، وإنكار مستمر، وأدلة تنتظر التمحيص.
الفصل الثاني: رواية وصلت إلى الأم
بحسب الأقوال الواردة في الحكم، بدأت معرفة سابقة عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، ثم لقاء قالت رواية الاتهام إنه انتهى بالانتقال إلى مسكن المتهم.
قال القاصر في أقواله إنه تعرض هناك لاعتداء، ثم عاد إلى منزله وأخبر والدته بما جرى. وذكرت الأم أنها لاحظت خوفه وآثار بكائه، ونقلت إلى جهة التحقيق ما رواه لها.
كانت هذه الأقوال من بين ما استندت إليه النيابة العامة في إسناد الاتهام، إلى جانب التقارير الفنية ومحاضر الإجراءات.
لكن أمام القضاء، لا تنتهي قراءة الملف عند رواية الواقعة للمرة الأولى. كانت هناك أقوال في مرحلة جمع الاستدلالات، وأقوال أخرى أمام النيابة. وبين المرحلتين، كان لا بد من سؤال دقيق:
هل ظلت الواقعة المروية واحدة في عناصرها الجوهرية؟
الفصل الثالث: حين تغيّرت التفاصيل
عند وضع الأقوال جنباً إلى جنب، ظهرت اختلافات تتصل بطبيعة الفعل المنسوب إلى المتهم وموضعه، لا بمجرد تفاصيل هامشية.
كما اختلف ما ورد عن كيفية المغادرة والعودة إلى المنزل، وظهرت في إحدى المراحل تفاصيل لم تُذكر في الأخرى، من بينها الاستحمام داخل المسكن.
لا تعني كل إضافة إلى رواية أنها غير صحيحة، ولا يعني كل اختلاف أن صاحبه تعمد الكذب. لكن الاختلاف في عناصر الواقعة الأساسية يضع أمام المحكمة مهمة لا يمكن تجاوزها: أي صورة تستطيع الاطمئنان إليها؟ وعلى أي أساس؟
أما أقوال الأم، فكان مصدرها ما نقله إليها ابنها عن الفعل المدعى به، لا مشاهدة ذلك الفعل بنفسها. وهنا يبرز الفرق بين شهادة على ما شاهده الشخص، ونقل لما سمعه من آخر.
كان السؤال يتسع: إذا لم تستقر صورة الواقعة في الأقوال، فهل تستطيع الأدلة الأخرى أن تحسمها؟
الفصل الرابع: ما قالته العينات… وما لم تقله
انتقل فريق مسرح الجريمة إلى المكان، ورُفعت عينات من الغرفة التي حُددت باعتبارها موضع الواقعة المدعاة. كما حُرّزت ملابس القاصر وفُحصت.
وبحسب ما سجله الحكم، خلت تقارير المختبر من دليل مادي أو بيولوجي يثبت وجود القاصر في مسرح الواقعة، ولم ترد فيها آثار مادية للمتهم على ملابس القاصر.
هذه النتيجة لا يصح تحويلها إلى قاعدة تقول إن غياب الأثر يعني حتماً أن الاعتداء لم يقع. قيمتها هنا تُقرأ داخل هذه القضية، مع باقي عناصر الإثبات، لا منفصلة عنها.
وكان هناك أيضاً إجراء تعرّف فيه القاصر على المتهم. لكن المعرفة السابقة بينهما جعلت السؤال مختلفاً: هل التعرف يثبت هوية شخص يعرفه أصلاً، أم يثبت ارتكابه الفعل محل الاتهام؟
إن معرفة الشخص شيء، وإثبات ما فعله شيء آخر.
والآن، بعد الأقوال والعينات والتعرّف، عاد السؤال إلى نقطة البداية: هل أصبحت الصورة مكتملة بما يكفي للإدانة؟
الفصل الخامس: ما الذي لم يره الآخرون في القضية؟
من موقعي محامياً، أرى أن خطورة الوصف لا تُغني عن اختبار الدليل. فالقراءة القانونية لا تتوقف عند عدد الأوراق أو تعدد الإجراءات، بل تبحث عما يثبته كل عنصر منها فعلاً.
تقرير فني لا تكون دلالته أوسع مما ورد فيه. والتعرف على شخص لا يثبت وحده ارتكابه جريمة. والأقوال المنقولة لا تصبح مشاهدة مباشرة لمجرد تكرارها.
ورد في الحكم أن الدفاع ترافع شفوياً وأودع مذكرة طلب في ختامها البراءة. أما تفاصيل المرافعة وعباراتها، فلا أضيف إليها هنا ما لم يثبته المستند.
جوهر هذه الرواية هو المسافة بين احتمال وقوع الفعل وثبوت نسبته إلى المتهم. وفي تلك المسافة يتحدد مصير الدعوى، لا بدرجة التأثر وحدها، بل بمقدار الثقة التي تحملها الأدلة.
هل تكفي هذه العناصر مجتمعة للإدانة، أم أن الاختلافات وحدود الدليل الفني تترك شكاً لا يجوز تجاوزه؟
لو كنت القاضي، كيف ستحكم؟
توقف هنا لحظة وفكّر في حكمك… ثم أكمل القراءة لتعرف ما انتهت إليه المحكمة.
الفصل السادس: الكلمة التي حسمت القضية
انتهت المحكمة، بعد تمحيص الأوراق، إلى أنها لم تطمئن إلى أدلة الاتهام.
بيّنت في أسبابها أن أقوال القاصر جاءت متناقضة تناقضاً جوهرياً في مراحل الدعوى بشأن طبيعة الأفعال ومكانها، فلم تعوّل عليها. ولأن أقوال الأم عن الاعتداء كانت نقلاً عن ابنها، لم تعوّل عليها بعد طرح أقواله.
وتوقفت المحكمة عند خلو التقارير من الأدلة المادية والبيولوجية التي أشارت إليها في أسباب الحكم. كما رأت أن التعرف على المتهم، في ظل المعرفة السابقة، لا يثبت ارتكاب الجريمة، وأن الإشارة إلى سوابق لا ترقى إلى الدليل اليقيني المطلوب للإدانة.
واطمأنت إلى إنكار المتهم، وخلصت إلى أن الأدلة لم تبلغ حد الكفاية للقول بارتكابه الجريمة، وأن إنكاره لم يدحضه دليل قاطع.
ثم جاء منطوق الحكم:
براءة المتهم مما نُسب إليه.
لم تكن نهاية القضية حكماً بأن كل بلاغ مشابه غير صحيح، ولا إثباتاً بأن المبلّغ تعمد الكذب. كانت النتيجة التي انتهت إليها المحكمة في هذا الملف، بأقواله وأدلته وظروفه المحددة: لم يثبت الاتهام بالقدر اللازم للإدانة.
توقيعي القانوني
الدرس الذي أضعه أمام القارئ من هذه القضية هو أن حماية القاصر وضمانات المتهم ليستا خصمين. تؤخذ الشكوى بجدية، وتُفحص الأدلة بعناية، ولا تصدر الإدانة إلا حين تقوم على ما تطمئن إليه المحكمة.
واجب الدفاع ليس التقليل من حساسية الاتهام، بل منع أن تحل خطورته محل إثباته. فالعدالة لا تكتمل إلا حين يُحترم الإنسان وتُختبر الأدلة معاً.
— الدكتور علي كابل فقيري
آراء القراء (0)
لا توجد تعليقات منشورة بعد.